انقضت اختبارات منتصف العام قبل أيام وبقي آثارها ، نرى الآثار التي ما زال التعليم يتجرحها بسكات ، ويرمي بتهمة نشأتها وتكوينها ذات اليمين وذات الشمال ، فتارة ينعت المعلم بأنه هو السبب ، وتارة ينعت المناهج ، وغض الطرف عن السبب الحقيقي لتدهور التعليم وما زال مسيروا التعليم يكابرون عن كشفه للعيان .
يخبرني أحدهم أن نسبة الرسوب في مادة التوحيد في مدرستة يتجاوز الثلاثين بالمئة ، ويخبرني أخر بأن نسبة الرسوب في مادة اللغة الإنجليزية يتجاوز الستين في المئة في صف الأول الثانوي ، مع العلم بأن هذان المعلمان ممن يشهد لهم بالخبرة والكفاءة وحسن الاداء .
تنقضي السنون تتبعها السنون ، وما زلنا نعود إلى المربع الأول في سلسلة فشل التعليم الحكومي ، وها هي الأعوام تتابع الإنقضاء ، وترمي بهموم الواقع التعليمي بعيدا هناك في جوف النسيان ، عن تجاهل ربما ولا يزال الشق أكبر من الرقعة فلم تعد الوزارة تستطيع دمدمة جروحها ، والتربيت على أكتاف مسؤوليها ، واللعب على عواطف منسوبيها ، وهاهي الأيام تبدي لنا ما كان خافيا .
أكثر فشل تحقق في وزارة التعليم هو ذاك القرار المشين الذي يمنع المعلم من الدفاع عن نفسه في المدرسة حتى يتم طرحه أرضا ، ولا أعلم هل من أصدر هذا القرار يعيش معنا على الأرض ، أم هو قادم من كوكب زحل ، أم من مدينة أفلاطون الفاضلة ، وتناسى بأن في بعض المدارس يحضر بعض الطلاب بعض الأسلحة البيضاء ، وفي هذه الحالة لا يحق للمعلم المغلوب على أمره أن يدافع عن نفسه ، وليكن في حالة مثلى لتلقي الطعنات يمينا وشمالا بقلب رحب وبابتسامة ساحرة ، ناهيك عن العقوبة المنتظرة إن كنت مدافعا عن نفسك !
في المجتمعات المتحضرة يعامل المعلم معاملة خاصة ، وله تقدير وحضوة عند الناس والمجتمع ، لأنه حامل لمشعل العلم والتعليم ومؤكل بنشر رسالة المعرفة ، إلا في مجتمعنا السعودي ، فهو كالمغلوب على أمره ، وهو الحلقة الأضعف لدينا ، فهم يلمزونه ويتهمونه بالقصور والإهمال ، وهو يتجرع طعنات الجفا والسخرية من هذا وذاك ، مع وجود كل هذا الإسفاف في حقه الآن أصبح بعضهم يتمنى بأن يغادر هذا المكان سليما في جسده ، أما عن نفسيته فلا تسأل ، فهي المغلوبة على أمرها ، فتراها تجيد اصطناع البسمة حينما يتوجه الحديث بعيدا عن التعليم ، أما حينما يتجه الحديث عن التعليم ترى وجوه يكسوها الهم ويضنيها التعب ويقطع نياط قلوبها التفكير والحسرة .
في بداية المقال استشهدت بمثالين لحالات الرسوب في مادتين فقط ، وهذا دليل شؤم ونذير بؤس وشقاء ، والآن فهمت لماذا يتسرب بعض الطلاب ميسوري الحال للمدارس الخاصة والأهلية بحثا عن مجتمع تعليمي مميز ، لا مجتمع يكسو وجوه أصحابه البؤس والحرمان والخوف على النفس والجسد .
وهنا لفتة لوزارة التربية والتعليم ، لا تستعدي المعلم وتحط من قدره وحضوته عند الناس ، فهم حاملي لمشاعل تنشر العلم والمعرفة ، استمع لنصحهم واتق الله فيهم ولا تكن ساعيا لتدمير التعليم بكثرة القرارات والتعامبم التي تهدف للنيل من المعلم والحط من قدره فهم حملة رسالة الأنبياء والعلماء - إن لم تكن تعلمون - وهم السراج الذي ينير لنا الطريق المعتم لنشر العلم والمعرفة .
مع أن سياسة وطننا - بفضل الله - هي سياسة الباب المفتوح ولكني لا أعلم لماذا وزارة التربية والتعليم تخالف المبدأ فسياستهم الباب المغلق ، فهي تغلق كل أبواب التواصل مع المجتمع ضاربة عرض الحائط بكل مشاكلهم واهتماماتهم ، وملوحة بالضرب بيد النظام على كل مخالف لارائهم واطروحاتهم العجيبة ، وأعتقد بأن سياستهم تعتمد في أساسها أنه لا رأي لهم ولا فائدة ترجى منهم ، وأن الوزارة لا تريكم إلا ما ترى ، ولتذهب همومهم ومشاكلكم إلى الجحيم .
ولكم التحية
عبدالرحمن الجوني .....،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق