يُتعب تفكيري ويُشتت رأيي تلك العبارات اللاذعة التي ساقها أحدهم لأحد مثقفينا ووصفه بالليبرالي والعلماني وأنه يخدم أجندة معينة ويسهر ليله ويمضي نهاره في سبيل تحقيق أهداف تلك الاجنده وذلك لانه قرأ مقالا لذلك المثقف فلم يرق ذلك المقال لمزاجه وأضفى ينعته بتلك الصفات .
يؤسفني تلك الحالة المزاجية لصاحبها الذي ينعت مثقفينا بأنهم ليبراليون أو علمانيون أو ما شابه دون دليل واحد ودون برهان يستند عليه سوى أنه يكتب المقالات فيجيد طرح مواضيعها ، ويسبك كتاباته حلة من الديباجة المميزة والتي تستعصي بالطبع على من أمضى حياته في تتبع زلات الناس ومناقصهم .
يؤسفني بأن صاحبنا أقام الدنيا ولم يقعدها شتما في مثقفينا وأخذ في طريق انتقادهم والتشهير بهم ما أستطاع جمعه من مفردات الشتائم والمذمات ، فتارة يصفهم بالليبراليين وتارة بالعلمانيين وتارة بالامعات وهلم جرا ، ولا أعلم هل أوجعه الطرح لهم أم أن الحالة المزاجية له ما زالت متعكرة .
يؤسفني بأن صاحبنا في فترة من فترات حياته ترك الصلاة عمدا ومضى قُدما في عقوق والديه وضرب بكلام أهله عرض الحائط وانطوى على ما استطاع جمعه من ملذاته الخاصة ، ثم فجأة ظهر لنا أن عاد إلى عقله وعرف طريق ربه .. فأطال لحيته وقصر ثوبه وانطوى على حضور الدروس الدينية وسماع المحاضرات الدعوية .. فدعونا له بالثبات على درب الحق .. ولكن من أول لقاء معه بدأ في تصنيف الناس فهذا ليبرالي وذاك علماني وهذا وضيع .. وخذ من الاوصاف التي لا تليق بمسلم قبل أن تليق بمتدين .
يؤسفني أن صاحبنا جعل المثقفين جل همه ، وبدأ في تتبع كتاباتهم وتصيد أخطائهم وضرب على وتر القبلية في كل طرحه ، وأنشأ لنفسه نزاهة خاصة لا يستطيع أحد المساس بها أو التعدي عليها ، وإياك مناقشته في أمر يقوله فقد ينعتك بأنك ليبرالي أو علماني ، فلكل قول قد تقوله أمامه ستجد له عند صاحبنا تفسيرا أخرا .
يؤسفني أن صاحبنا لم يعلم بأن العمل الثقافي هو لصنع الابداع وتحريك الراكد من مياة المحاباة والفساد والاستغلال الديني لبعض جوانب الحياة ، وبأن العمل الثقافي هو لرسم بسمة أو تطبيب جرح أو مداواة مريض جار عليه زمنه ، أو اجتبرته حياته على غير ما يريد .
يؤسفني بأن صاحبنا لم ينكأ جرحا ولم يداوي مريضا ولم يربث على كتف يتيم ولم يحاول حل إشكال أو إبراز قضية أو الاهتمام بأمر معين .. وانبرى لمتابعة أخطاء الناس وتصيد مثالبهم ، وكفى بالمرء فخرا أن يصلح نفسه .
يؤسفني بأن صاحبنا يجد له من يشاركه نفس الفكر ونفس الاسلوب ، أما لطابع القرابة أو للخوف من ردات الفعل عند المخالفة ، ولكن لتنم يا صديقي رضّي البال فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .. شئنا أم أبينا ولن نتورع عن كشف دسائس المؤامرات الخفية خوفا من تهديداتك أو جنوحا إلى رغباتك أو إستسلاما لأوامرك ، خُلقنا أحرارا نكتب ما نراه أصلح لنا وللمجتمع معنا ، ولم نكتب تصيدا لهفوات الناس أو بحثا عن نقائصهم.
عبدالرحمن الجوني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق